كانت تجلس هناك وسط المجموعة، تتحدث و تدلي بآرائها و تجذب إنتباه
المستعمين بأسلوبها البسيط و تعليقاتها الساخرة، حين رآها أول مرة. لفتت أنظاره و
ظل محدقا بها لوهلة ثم تابع حديثها و كلماتها بشغف، و منذ تلك اللحظة ظل يراقبها
في صمت محاولا التقرب منها تدريجيا حتى نجح في ضمها إلى دائرة أصدقائه مستغلا كل
الفرص لملاقاتها حتى جاء ذلك اليوم الذي جمعهما فيه القدر ليقضياه سويا في تلك
المهمة التي كلفا بها، كان يساعدها ذلك اليوم و يتأملها، يحميها و يبثها إعجابه و
حينها بدأت تشعر هي بمحاولاته للتقرب منها و شعرت بذلك الإحساس الجارف بداخلها
يدفعها للتقرب منه أكثر، لتتعرف عليه أكثر و قد كان، في ذلك اليوم إلتقيا رجلا
مسنا و زوجته العجوز يتكآن على بعضهما البعض في طريقهما لتؤدي الزوجة بعض المهام
الخاصة بها، تحدثا معهما و عرفا أنهما متزوجا منذ أكثر من ثلاثون عاما عن قصة حب
عميقة و مازالا حتى اليوم يعشق كل منهما الآخر و يحنو عليه، لمعت عيناهما و هما
يودعان الزوجين آملين أن يحظوا بصحبة عاشقة كهذه يوما ما. و مرت الأيام و هما
يتحدثان بإستمرار عن كل شئ في حياتهما، آمالهما، أحلامهما و طباعهما. كان هو يشعر
يوما بعد يوم بإستحالة الإبتعاد عنها و كانت هي تشعر بطوفانه يجتاح مشاعرها. وفي
غفلة من الزمان صارحها بحبه و أشواقه ليجدها و الخجل يملأها تبادله نفس الأحاسيس و
تعاهدا على أن يكونا شريكين في هذه الحياة.
هو أحبها، عشقها لدرجة الجنون، كانت نظرة عينيها تبث فيه الحياة، كانت
إبتسامتها تشرق أيامه و ضحكتها تبعث السعادة في قلبه، وكانت دموعها كفيلة بأن
تشقيه لأيام، كانت طفلته المدللة و عالمه الخالد و تدور في فلكها كل حياته، كان
يتمنى لو يستطيع أن يغلق عليها جدران قلبه من فرط خوفه من أن يطالها أي أذى، كان
يتابع كل أخبارها و حديثها و تفاصيل أيامها. أما هي فلم تعد تتخيل الأيام من دونه،
شعرت معه بالأمان و الحنان الذين لطالما تمنتهم في صلواتها، أصبح هو عالمها الوحيد
لا يبدأ يومها إلا عندما تستمع لصوته و ينتهي حين يفترقا على أمل باللقاء في اليوم
التالي، كان قلبه وطنا لها و دنيتها تنحصر في محيطه، أصبح كل شئ لا يمت له بصلة
بالنسبة لها مجرد مظاهر غير مجدية في الحياة و لكنها لم تستطع أن تخبره بكل هذا.
حين تراه كانت تتلعثم و تتشابك الكلمات حين تنطق بها فتصمت غير قادرة على التعبير
عن كل هذه الأحاسيس بداخلها، كثيرا ما عقدت العزم على أن تبادله الكلام المعسول حين
يمطرها بعبارات الغزل و لكن وجنتيها كانتا تحمر خجلا و ينعقد لسانها و تهرب عيونها
بعيدا. لم يتفهم ابدا العاشق الشاب ما بها، كان يغضب و يثور و يشكك بحقيقة مشاعرها
و يتهمها بالبرود، حاولت مرارا و تكرارا أن تصلح أخطائها و لكن لم يذهب عنها ذلك
الخجل اللعين أبدا.
لم يعد يدري ماذا يفعل، فهذه محبوبته، غاليته، فتاته التي تحمل قلبه بين
يديها و تسجن سعادته في عينيها و لكنه لا يدري ما بأعماقها، كان يتمنى لو يدلف بين
ضلوعها ليعرف ما تخفيه بداخلها و لكنها لم تكن تقول إلا القليل الذي لم يكن
ليرضيه، بدأ اليأس يدب في أعماقه من أن تبوح له بما يطفئ نار قلبه الموقدة خاصة مع
مشاكل الحياة اليومية، بدأ يبتعد و يهملها، بدأ الغضب يتملكه منها و أصبحت كلماته
كالخنجر البارد يجرحها، أصبح يفعل كل ما يضايقها عمدا، لم يكن يشعر بأثر قوله ولا
فعله عليها، لم يهتم بكل محاولاتها لإثناءه عن هذه المعاملة القاسية، بدأت هي
الأخرى تغضب، تثور لكرامتها، تستاء من إهماله لها و كانت ثورتها تزيده غضبا و تثير
حنقه فيجرحها أكثر، حتى جاء اليوم الذي أخبرها فيه بكل برود بأن كل ما بينهما لم
يكن و أنكر عشقهما ببساطة، وقفت مذهولة أمام كلماته، لم تستوعب نكرانه، لم تصدق
قسوته، لم تستطع أن تسامحه، كانت تريد أن تخبره بأنه إذا رجع لعادته في عشقها
فستبذل جهدها لتتراجع عن كتمانها و لكنها لم تستطع إخباره، كان قلبه يعتصر ألما
على ما تفوه به و لكنه لم يتراجع عنه، كان يعلم أن بيده الحل إذا عاد للإهتمام بها
مثل ذي قبل و لكن هيهات لم يفعل أي منهما شيئا و ذهب كل منهما في طريقه حاملا حزن
عميق و بقايا عشق لن يفارق وجدانهما و جرح لن تزول ندوبه من قلبيهما، إفترقا و
بداخل كل منهما أماني الحب و رجاء الصلح من الآخر، إفترقا و يبقى الأمل.....
No comments:
Post a Comment